محمد بن الطيب الباقلاني

286

إعجاز القرآن

* * * فأما قدر المعجز فقد بينا أنها السورة ، طالت أو قصرت ، وبعد ذلك خلاف : من ( 1 ) الناس من قال : مقدار كل سورة أو أطول آية ، فهو معجز . وعندنا كل واحد من الامرين معجز ، والدلالة عليه ما تقدم ( 2 ) ، والبلاغة لا تتبين بأقل من ذلك ، فلذلك لم نحكم بإعجازه ، وما صح أن تتبين فيه ( 3 ) البلاغة ، ومحصولها الإبانة في الابلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ ، وبلوغ الغاية في المقصود بالكلام . فإذا بلغ الكلام غايته في هذا المعنى ، كان بالغا وبليغا . فإذا ( 4 ) تجاوز حد البلاغة إلى حيث لا يقدر عليه أهل الصناعة ، وانتهى إلى أمد ( 5 ) يعجز عنه الكامل في البراعة - صح أن يكون له حكم المعجزات ، وجاز أن يقع موقع الدلالات . / وقد ذكرنا أنه بجنسه ( 6 ) وأسلوبه مباين لسائر كلامهم ، ثم بما يتضمن من تجاوزه في البلاغة الحد الذي يقدر عليه البشر . * * * فإن قيل : فإذا ( 7 ) كان يجوز عندكم أن يتفق في شعر الشاعر قطعة عجيبة شاردة ، تباين جميع ديوانه في البلاغة ، ويقع في ديوانه بيت واحد يخالف ( 8 ) مألوف طبعه ، ولا يعرف سبب ذلك البيت ، ولا تلك القطعة في التفصيل ، ولو أراد أن يأتي بمثل ذلك أو يجعل ( 9 ) جميع كلامه من ذلك النمط ، لم يجد إلى ذلك سبيلا ، وله سبب في الجملة وهو التقدم في الصنعة ، لأنه ( 10 ) يتفق من المتأخر فيها - فهلا قلتم : إنه إذا بلغ في العلم بالصناعة مبالغه القصوى ( 11 ) ،

--> ( 1 ) م : " بين " ( 2 ) م : " ما قد " ( 3 ) م : " فيه من " ( 4 ) م : " وإذا " ( 5 ) كذا في ا ، م . وفى ك ، س : " أمر " ( 6 ) م : " لجنسه ( 7 ) م ، ك : " إذا " ( 8 ) ا : " مخالف " ( 9 ) س ، ك " يجعل " ( 10 ) م " : لأنه لا يتفق " ( 11 ) س " مبالغة قصوى " . م ، ا " الغاية القصوى "